خليل الصفدي
132
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
ويدرس . وكان أعلم الناس بالفقه على سائر المذاهب . ولما قدم الوزير عبيد اللّه ابن سليمان من الجبل أيام المعتضد صار إليه أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات في عشيّ يوم فوجداه يميّز أعمالا « 1 » وكتبا وبين يديه كانون عظيم يحرق فيه ما لا يحتاج إليه . فدفع إلى أبي العباس إضبارة ضخمة وقال : هذه يا أبا العباس رفائع وسعايات بك وبأخيك من أسبابكما وثقاتكما وصنائعكما ، وردت عليّ بالجبل فخبأتها لك لتعرف بها من يبتغي أن تحترس منه وتقابل كلّ أحد بما يستحقه ، فأكثر أبو العباس في شكره والدعاء له . وبدأ أبو الحسن فقرأ شيئا من الإضبارة ، فانتهره أبو العباس وقال : لا تقرأ شيئا منها وأخذها فطرحها في الكانون ، وقال : ما كنت لأقابل نعمة اللّه عليّ بما وهبه لي من تفضّل الوزير بما يوجب الإساءة إلى أحد ، ولا حاجة بي إلى قراءة ما يوحشني من أسبابي ويجرّ عليهم إساءة مني . فلما نهضنا قال عبيد اللّه بن سليمان : أردت التفرّد بمكرمة فسبقني أبو العباس إليها وزاد فيها . وحضر « 2 » عنده في بعض الأيام عدة مغنيات وغنّت إحداهنّ لأبي العتاهية « 3 » : أخلّاي بي شجو وليس بكم شجو * وكلّ فتى من شجو صاحبه خلو رأيت الهوى جمر الغضا غير أنه * على حرّه في حلق ذائقه حلو فقال أبو العباس : هذا خطأ وإنما يجب أن يكون البارد ضدّ الحار والحلو ضد المرّ . فقيل له : فكيف كان يجب أن يقول ؟ قال يقول : غدوت على شجو وراح بي الشجو * وكلّ فتى من شجو صاحبه خلو وباكرني العذّال يلحون في الهوى * ومرّ الهوى في حلق ذائقه حلو / ومن شعره :
--> ( 1 ) في الأصل : أعما . ( 2 ) وردت القصة في كتاب الوزراء : 213 . ( 3 ) ديوانه ( صادر ) 479 ، وعجز الثاني فيه : على كل حال عند صاحبه . . .